jeudi 1 décembre 2011

الديمقراطية في مجتمع مسلم 2/ 3


عبدالله بن ناصر الصبيح
والديمقراطية لم تطبق في الغرب إلا بمحتوى علماني. ولما حاولت بعض الحكومات تطبيقها في العالم الإسلامي عامة وفي العالم العربي، خاصة فشلت بسبب تناقضها مع دين الشعب. وكان من في سدة الحكم، يرون أنفسهم مغتصبين لحق الشعب، ويعلمون أن الشعب لو أتيح له الخيار لاختار سواهم، ولهذا استبدوا بالحكم وشاعت الدكتاتوريات في العالم الإسلامي، وحالوا بين من يرفع راية الإسلام وبين حقه في خوض الانتخابات، بل حالوا بين الشعب وبين حق الاقتراع السليم، فكانت الانتخابات تزور، والشعب يروع فلا ينتخب غير من في يده السلطة..والديمقراطية لم تنشأ في الأصل لمعارضة شريعة الله عز وجل، لأن اليونان لا يعرفون الدين الحق، وإنما نشأت لمقاومة استبداد الفرد

2. الديمقراطية والعلمانية: 
هذه لها علاقة بالمسألة التي قبلها، والديمقراطية لم تطبق في الغرب إلا بمحتوى علماني. ولما حاولت بعض الحكومات تطبيقها في العالم الإسلامي عامة وفي العالم العربي، خاصة فشلت بسبب تناقضها مع دين الشعب. وكان من في سدة الحكم، يرون أنفسهم مغتصبين لحق الشعب، ويعلمون أن الشعب لو أتيح له الخيار لاختار سواهم، ولهذا استبدوا بالحكم وشاعت الدكتاتوريات في العالم الإسلامي، وحالوا بين من يرفع راية الإسلام وبين حقه في خوض الانتخابات، بل حالوا بين الشعب وبين حق الاقتراع السليم، فكانت الانتخابات تزور، والشعب يروع فلا ينتخب غير من في يده السلطة. 
والعلاقة بين الديمقراطية والعلمانية سبق أن ناقشتها في مقال عنوانه "نحو تصور إسلامي للديمقراطية"، وسبقت الإشارة إليه، ومما ذكرته هناك، أن الديمقراطية لم تنشأ في الأصل لمعارضة شريعة الله عز وجل، لأن اليونان لا يعرفون الدين الحق، وإنما نشأت لمقاومة استبداد الفرد. 
ولما انتشرت النصرانية في أوربا لم يكن معها شريعة للحكم بين الناس وكان رجال الدين يحكمون بين الناس بخرافات ينسبونها لله عز وجل ويزعمون أنه سبحانه أوحى بها إليهم. والعلمانية كانت ثورة ضد هذا الضلال ولم تكن ضد شريعة الله لأنها غير موجودة أصلا. وموقف الديمقراطية من الدين ليس ثابتا فهو يختلف في بريطانيا عنه في أمريكا. ويصح أن نقول إن الديمقراطية وعاء يمكن أن يملأ بثقافة البلد الذي نشأت فيه. 
3. مبدأ الأغلبية ومبدأ حماية حقوق الأقلية: 
الديمقراطية تعاني من إشكالية حقيقية أدركها منظرو الديمقراطية ولم يستطيعوا معالجتها معالجة سليمة. وهذه الإشكالية هي إمكان استبداد الأكثرية واعتدائها على حقوق الأقلية. وتوكفيل أحد أشهر منظري الديمقراطية الأوائل حذر في كتابه "Democracy in America"، من تعدي الأكثرية على حقوق الأقلية وسماه طغيان الأكثرية tyranny of the majority. وكان الحل المقترح لا يعدو عن تبني الليبرالية مع الديمقراطية وأن الدستور يمكن أن يتضمن ما يحمي حقوق الأقلية وحماية الدستور تكون بوضع شروط صعبة تمنع من تعديله بيسر. وهذا في الحقيقة غير كاف لأن من وضع الدستور هو الشعب وهو يستطيع تعديله إذا أراد مهما كانت صعوبة ذلك التعديل. والتعديل إذا تحقق متوافق مع الديمقراطية لأنه جاء وفقا لمبدأ الأغلبية. أما تطبيق الديمقراطية بمحتوى ليبرالي، فهو يحتوي على تناقض لأن من مبادئ الديمقراطية "مبدأ الأغلبية Majority Principle"، والليبرالية من مبادئها مبدأ حقوق الفرد التي لا يحق لأحد الحد منها، ويدخل في ذلك حقوق الأقليات. والتناقض يقع حينما تقرر الأغلبية أمرا يحد من حقوق الفرد أو من حقوق الأقلية، ومبدأ الأغلبية يوجب القبول بهذا الأمر بينما مبدأ الحقوق الفردية يوجب منعه. 
4. الديمقراطية والليبرالية: 
الديمقراطية المطبقة في الغرب الآن ذات محتوى ليبرالي، وكثير من منظري الديمقراطية يرون أن الليبرالية مقدمة على الديمقراطية ولو تعارضتا وجب تقديم الليبرالية والتضحية بالديمقراطية. ومن هذا الباب يعارض فريد زكريا وآخرون إدخال الديمقراطية إلى العالم العربي قبل انتشار الليبرالية. 
والليبرالية لم تكن مرتبطة بالديمقراطية في أصل نشأتها ولهذا نشأت ديمقراطيات ذات محتويات مختلفة فهناك الديمقراطية الاشتراكية أو الشعبية وكانت مطبقة في الاتحاد السوفيتي والدول الشيوعية والديمقراطية الدينية كالتي نراها في إيران. وهذا يؤكد ما قاله المفكر الأمريكي زبغنيو بريجنسكي: "إن الديمقراطية يمكن أن تكون هي إسهام الغرب الأساسي، إلا أن الديمقراطية ما هي إلا وعاء يجب أن يمتلئ بمحتوى...". وإذا كان الغرب رأى أن المحتوى الأفضل هو الليبرالية فمن حق سواهم أن يبحثوا عن محتوى يناسب وضعهم وتستقيم معه أمورهم. 
5. المحتوى والوسيلة: 
هذه المسألة هي بمثابة الأصل لما سبق من مسائل، فالديمقراطية يمكن النظر إليها باعتبارها ذات محتوى فلسفي أو ينظر إليها على أنها وسيلة يتوصل بها إلى تحقيق ما فيه مصلحة الشعب. 
فإن نظرنا إليها على أنها مذهب فلسفي، فأي مذهب يمكن تعديله والإضافة عليه ولازال المفكرون يعملون ذلك وبهذا تتطور المذاهب الفكرية والتصورات الفلسفية. وللديمقراطية من ذلك نصيب كبير، فقد تغيرت من عصر إلى عصر ومن بلد إلى بلد، ولهذا فالمسلم يستطيع أن يصوغ الديمقراطية التي تتفق مع دينه وتناسب حاجته. ومن اعترض على التعديل في الديمقراطية لم يكن اعتراضه على مبدأ التعديل ولكن على بعض محتوى التعديل، وهو اعتراض متناقض ليس له مستند علمي ومبعثه العصبية الأيديولوجية ليس إلا. 
ومن نظر إلى الديمقراطية على أنها وسيلة اختار من سبلها ما يصلح لبلده وتستقيم معه أموره. ويبدو من تاريخ الديمقراطية أنها وسيلة لتحقيق العدل وحفظ حقوق الشعب وتحقيق قدر من الرضا بينهم، ولهذا تغيرت وسائل تحقيق هذه الأهداف بما يحفظ الأهداف. في اليونان كانت القرعة العشوائية هي وسيلة اختيار الحكومة التنفيذية، أما السلطة التشريعية فجميع المواطنين مشاركون فيها. وكان هذا مناسبا لوضع اليونان حيث كان السائد بينهم هو ما يعرف بدولة المدينة. ولكن فيما بعد لم تعد تلك الوسائل مجدية في تحقيق أهداف إقامة الحكومة ولم يعد ممكنا جمع كافة المواطنين في مكان واحد لإصدار التشريعات فعالج منظرو الديمقراطية هذا الأمر بانتخاب ممثلين للشعب يفوض لهم الشعب مسؤولية الحكم، وألغيت القرعة العشوائية لاختيار الحكومة التنفيذية. وإدراك هذه التحولات مهم جدا في صياغة نظرية جديدة في الحكم الصالح أو الحكم الأولى، الذي يحفظ حقوق الناس ويقوم به العدل ويتحقق به الاستقرار. 
والخطوة الأولى من أجل صياغة نظرية في الحكم تكمن في تحديد مقاصد الحكم أو مقاصد الإمامة كما كان علماؤنا يعبرون عنها ومن ثم يتفق الناس على الوسائل التي تتحقق بها تلك الأهداف. 
إن أهداف الإمامة أو الحكومة الصالحة، مما يشترك في كثير منه البشر، فهي تدخل ضمن التجربة البشرية العامة المشتركة وبعضها يمكن أن يكون خاصا بثقافة معينة أو بشعب معين أو بعصر أو ظرف معين. وفي صياغة الأهداف يمكن أن ننظر فيما قرره علماؤنا في كتب الإمامة والسياسة، ويمكن أن ننظر فيما اختاره الآخرون من خلال التجربة البشرية العامة. ولأنه ما من أمة إلا ونصبت لها حاكما يسوسها واهتدت إلى مبادئ وقيم رأت أنها ضرورة إما لجلب مصلحة أو دفع مضرة، ومن ذلك مثلا مبدأ فصل السلطات الذي يمنع سلطة من الاستبداد على بقية السلطات. 
6. الحرية الفردية: 
ليست الحرية الفردية من مبادئ الديمقراطية ولكنها من مبادئ الليبرالية وبسبب الارتباط بين الديمقراطية والليبرالية في التطبيق ظن البعض أن الحرية الفردية من أصول الديمقراطية، ومع ذلك فمناقشة هذا الأصل ضرورية لوضع نظرية سياسية في مجتمع مسلم. ومناقشة هذا الأصل يندرج تحت مناقشة الليبرالية، وهو مبدأ واسع ـ يندرج تحته مما له علاقة بالديمقراطية ـ ثلاثة أمور كل منها مرتبط بالآخر، وهي: 
1. حدود حرية الفرد 
2. حدود صلاحية الحكومة في التدخل في حياة الناس وتقييدها 
3. حقوق الأقليات 
أولا: الحرية الفردية 
جاء في وثيقة "إطار للتربية المدنية"، التي سبقت الإشارة إليها توصيف واضح للحرية الفردية، وهذا التوصيف هو بمثابة الأساس لهذا المفهوم: "البحث عن الحياة الطيبة أو السعادة: لكل فرد الحق في البحث عن الحياة الطيبة بطريقته الخاصة مادام لا يتعارض مع حقوق الآخرين". وحددت الوثيقة ثلاثة أنواع لحرية الفرد، وهي: 
1. الحرية الشخصية: حق التفكير والتصرف من غير تقييدات الحكومة. 
2. والحرية السياسية: حق المشاركة في العملية السياسية، ومن ذلك حق التجمع والاعتراض والمشاركة في العملية الانتخابية من غير تدخل الحكومة. 
3. والحرية الاقتصادية: حق البيع والشراء والتملك وحق التوظف من غير تدخل الحكومة. 
والنظرية الليبرالية ترفض أي تقييد لحرية الفرد من أي مصدر كان ماعدا التقييدات التي يلزم الفرد بها نفسه بطوعه واختياره. 
والقيد الذي تفرضه الفلسفة الليبرالية على حرية الفرد هو أن ينشأ عنها اعتداء مباشر على حرية الآخرين. وقد نتج عن هذه الحرية المطلقة آثار سلبية على الأسرة والمجتمع والأخلاق فلم تعد الأسرة هي الأسرة المعهودة بل أعاد المجتمع تعريفها ولم تعد الأخلاق هي الأخلاق المعهودة بل أعاد المجتمع تعريفها أيضا. فالتأثير لم يكن تأثيرا سلوكيا يرى المجتمع أنه خطأ ومن ثم يقوم بالتصحيح بل تغير معه مفهوم الخطأ والصواب في الأسرة والمجتمع. وأعظم التغيرات شأنا هي التغيرات المعرفية التي يستسلم لها المجتمع ويرى أنه يجب عليه أن يتكيف وفقها فيعدل بموجب ذلك نظمه وقوانينه وبنيته الاجتماعية، وهي إن كانت صوابا، سعد بها المجتمع، وإن كانت خطأ، شقي بها المجتمع شقاء عظيما يصعب تعديله. 
الحرية الفردية المطلقة التي لا ضابط لها إلا الإرادة الفردية مرفوضة في الإسلام، وذلك التقييد الذي يلغي معه إرادة الفرد ويجعله يعيش في مجتمع من الممنوعات ويقلص دائرة المباح مرفوض في الإسلام كذلك سواء كان في الحرية الشخصية أو السياسية أو الاقتصادية. والشريعة جاءت بضوابط في ذلك ومهمة العلماء البحث عنها وإبرازها ونشرها بين الناس. والضوابط الشرعية زاحمتها رغبات الناس وشهواتهم ورغبات ذوي النفوذ والحكومة والعرف والتقاليد، وظن كثيرون أن الضوابط الشرعية هي مايمارس في المجتمع بينما عند التحقيق ليس الأمر كذلك. 
والحرية الشخصية لا يمكن دراستها بعيدا عن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا المبدأ لايمكن تناوله منفصلا عن مسائل الاجتهاد والمصلحة والمفسدة. 
ثانيا: حدود صلاحية الحكومة في التدخل في حياة الناس وتقييدها 
يختلف معنى الليبرالية من عصر إلى آخر، ففي وقت من الأوقات كانت ليبرالية الحكومة تعني أن مهمة الحكومة محصورة في جمع الضرائب وحفظ الأمن وصد العدوان الخارجي وحفظ الأمن الداخلي وتنفيذ القانون وما سوى ذلك متروك للناس في مناطقهم ومدنهم ومحلاتهم، يقرر فيه كل قوم ما يرونه الأصلح لهم. وما كان منه خاصا بالأفراد لا تعلق له بالآخرين فللفرد أن يختار ما يشاء. وهم بذلك لا يرون للدولة مسؤولية تجاه المواطن في تقديم الخدمات العامة مثلا أو التعليم أو في حفظ الأخلاق وقيم المجتمع. وفي وقت آخر تأثرت الفلسفة الليبرالية بالاشتراكية فكانت الحكومة ترى أنها مسؤولة عن تقديم الخدمات وتأمين مستوى معيشي للمواطنين مع مراعاة أن للفرد حرية التصرف والسلوك. ومع سقوط الاتحاد السوفيتي تخلت الليبرالية عن الجانب الإنساني فيها ورأى عدد من مفكريها أن الدولة ينبغي أن لا يكون لها تدخل في حياة الناس. 
ثالثا: حقوق الأقليات 
حقوق الأقليات تشمل أمورا منها: حق التمثيل النسبي في السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية وحق التعبير عن الهوية وحق الاستفادة من الخدمات أسوة بغيرهم وحق المشاركة في المجتمع المدني، وحق التساوي في الفرص أسوة بالأكثرية، وبعض هذه الحقوق تصطدم مع التصور الإسلامي ولاسيما إذا كانت حقوقا مطلقة أو متعارضة مع حقوق الأكثرية، مثل حق الدعوة إلى دين الأقلية أو مذهبها أو تولي الولايات العامة. 
وحقوق الأقليات من القضايا التي يحتاج المفكر المسلم أن يقدم فيها تصورا يراعي فيه حقوق الأقلية والأكثرية ودرء مفسدة الاضطراب الداخلي. والتصور عن حقوق الأقليات مرتبط بالتصور عن طبيعة المجتمع المسلم، وهذه المسألة ـ أعني طبيعة المجتمع المسلم ـ مما يحتاج إلى زيادة تحرير وبحث. إن المجتمع المسلم عبر التاريخ ليس هو المجتمع الذي لا يعيش فيه إلا المسلمون فقط أو المجتمع المتجانس، إنه مجتمع يعيش فيه مع المسلمين أقليات مذهبية ودينية وعرقية. ونحتاج هنا معادلة نحمي بها حقوق كل طرف فلا الأكثرية تطغى على الأقلية وتسلبها حقوقها ولا تستبيح الأقلية أيضا حقوق الأكثرية بحجة المحافظة على حقوق الأقلية. 
ومسألة الحقوق في التصور العلماني، وحسب ما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 عن هيئة الأمم المتحدة وكذلك التصور الليبرالي، وكذلك الشأن في الديمقراطية محور الحقوق هو الإنسان فهو المستفيد وهو الذي يقررها. ولهذا من استطاع أن ينال شيئا عن طريق الانتخابات، فهو الأحق به، ليس هناك حق ثابت، وإنما الحق تبع للقوة الانتخابية. 
وما يحدث هنا هو صورة عن الصراع في الحياة كلها سواء كان صراعا في الغابة أو صراعا في المجتمع أو صراعا في السلم أو في الحرب. الحق ليس له استقلال بذاته بل هو تبع للقوة، والقوة ربما تكون قوة جماعات الضغط lobbying، كما في النظام الديمقراطي أو قوة السلاح كما هو في ساحة الحرب أو قوة الناب والمخلب كما في الغابة أو القوة الاجتماعية كما في المجتمعات التقليدية 
أما في التصور الإسلامي فالحق قائم بذاته وضعف أصحابه لا يجعل منه باطلا ولا يسقطه عمن استحقه. ومصدر الحق ليس الإنسان بل هو الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يشرع لعباده من الحقوق ما تستقيم به حياتهم وتتأيد به الفضيلة ويتحقق به العدل. والأقليات الدينية في المجتمع المسلم لها حقوق ثابتة سواء وافقت عليها الأكثرية أو عارضتها.

7. نظام الانتخابات: 
هذه من المسائل الدقيقة في الديمقراطية وهي تعكس ما تنطوي عليه من تنوع وأنها في الحقيقة ديمقراطيات متعددة. وحبذا لو نشط لهذا الموضوع بعض المتخصصين في العلوم السياسية فجمع هذه النظم المتنوعة في مقال واحد ووازن بينها. وأنا هنا أعرض بإيجاز طريقة انتخاب الرئيس. 
طريقة انتخاب الرئيس في أمريكا تمر بمراحل: 
الأولى: أن يرشح من يرغب نفسه ثم عليه أن يدخل في تنافس مع المرشحين الآخرين أمام أنصار الحزب. 
الثانية: الفائز هو الذي يدخل الانتخابات الرسمية فيختار الشعب بينه وبين مرشح الحزب الآخر. 
الثالثة: يجتمع ممثلو الولايات في المجمع الانتخابي فيختارون الرئيس وعادة يختارون من فاز في المرحلة الثانية. 
وفي بريطانيا توجد صورة أخرى مختلفة فرئيس الوزراء يختاره الحزب وليس الشعب والشعب يصوت للحزب من خلال اختيار ممثليه، والحزب الفائز هو الذي يختار رئيس الوزراء، ومن يتولى رئاسة الوزارة هو رئيس الحزب الفائز.وكما أن الحزب هو من يختاه فهو أيضا من يعزله. ولعل المتابع يلاحظ أن مؤهلات رؤساء الوزراء في بريطانيا غالبا أفضل من مؤهلات الرؤساء الأمريكيين. وسبب ذلك أن المؤثر في اختيار الرئيس في أمريكا هم العامة وهم يتأثرون بالإعلام والخطابة والصورة الظاهرة، أما في بريطانيا فالمؤثر في اختيار رئيس الوزراء هو الحزب نفسه والحزب أعرف بأفراده وأحرص على اختيار المؤهل في إدارته. والصورة التي رأيناها في بريطانيا هي التي نلاحظها في اختيار رئيس الوزراء في تركيا وكذلك في إسرائيل. أما اختيار رئيس الدولة في تركيا فالذي ينتخبه ليس هو الشعب وإنما هو البرلمان بعد إجراءات محددة. 
وفي إيران المرشح للرئاسة لا يقدم لعامة الشعب للانتخاب العام إلا بعد أن توافق عليه مؤسسة مصلحة تشخيص النظام، وهذه المؤسسة تنظر في مؤهلاته ومدى إخلاصه لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. 
والغرض من إيراد هذه الصور المتعددة هو تبديد وهم استقر في أذهان كثيرين، وهو أن الانتخابات ليس لها إلا صورة واحدة، وهي أنه يتساوى فيها العالم مع العامي والمتعلم مع الجاهل. وهذه بلا شك صورة من الصور ولكنها ليست مطردة في كل أمر من أمور الديمقراطية كما أنها ليست المعمول به في كل قطر. 
ثالثا: الثقافة الديمقراطية والتطبيع عليها democratization 
أي سلوك لا ينشأ بمعزل عن الفكر والبيئة المناسبة له، وإذا نشأ عن طريق القسر فإنه لايلبث أن يزول لأن الشروط الضرورية له غير موجودة. 
والديمقراطية شأنها شأن أي نظام سياسي أو اجتماعي إذا لم تكن تستند إلى الثقافة العامة والقبول الاجتماعي فإنها لا تنجح ولا تستقر ولاسيما أن من شروطها قبول الناس لها ورضوخهم لقيمها. ويرى دعاة الديمقراطية أنه من أجل ثقافة الديمقراطية في المجتمع فلابد من: 
1. الوعي بالحقوق: فالذي لا يعي حقوقه لن يسعى في تحصيلها ولن يدافع عنها إذا اعتدي عليها. ولهذا لابد من ثقافة حقوقية يعرف الناس بها مالهم وما عليهم. 
2. إتاحة المعلومات وعدم الحجز على قنواتها، وإتاحتها يساعد في تقويم تصرفات الجهات التنفيذية ومحاسبتها: هل كانت تصرفاتها بمقتضى المصلحة العامة أم لا؟ 
3. توازن القوى في المجتمع الذي يمنع فئة من الاعتداء على فئة أخرى. 
أما الانتخابات وحدها، فيرى دعاة الديمقراطية أنه من خلال التجربة لا يكفي إدخال الانتخابات فقط إلى بلد ما لجعله بلدا ديمقراطيا ما لم يكن لديه تقليد راسخ في الديمقراطية، ولهذا لابد من تحول واسع في الثقافة السياسية وتكوين متدرج للمؤسسات الديمقراطية. 
وأحد مفاهيم الثقافة الديمقراطية ما يسمى بـ"المعارضة المخلصة"، وهذا المفهوم من الصعب تحقيقه في مجتمع لا يمكن الوصول فيه إلى السلطة إلا من خلال العنف. وهو يعني أن جميع المشاركين في العملية الديمقراطية مخلصون لقيمها الأساسية، يقبلون تداول السلطة، وهم وإن اختلفوا إلا إن كلا منهم يحتمل الآخر ويحترم قواعد العملية الديمقراطية ويعترف بها. 
والخاسر في الانتخابات يقبل حكم المنتخبين ويسمح بانتقال السلطة إلى من رضيه الشعب وينصرف آمنا على حقوقه وحرياته ويستطيع المشاركة في الحياة العامة. 
ومن أجل وجود ما يسمى بـ"المعارضة المخلصة"، حدد فلاسفة الديمقراطية ثلاث مسلمات يجب أن يلتزم بها المشاركون في العملية الديمقراطية وهذه المسلمات هي (علي محمد (د ت).أصول الاجتماع السياسي: السياسة والمجتمع في العالم الثالث. ج2): 
1. مبدأ حق الاختلاف Agreement to Differفلكل طرف الحق في المخالفة وإبداء وجهة نظره في القضايا المطروحة من غير ضير يصيبه . وهذا المبدأ لايمنع الأطراف الأخرى من مناقشته والرد عليه وبيان ما اخطأ فيه بل إن هذا من مقتضيات هذا الحق. 
2. مبدأ الأغلبية Majority Principleوذلك بأن تقبل جميع الأطراف ما تنتهي إليه المجالس المنتخبة من قرار تتخذه الأغلبية. 
3. مبدأ التسوية Principle of Compromiseويعني التقريب بين الآراء والتنازل عن بعض الحقوق من أجل مصلحة المجموع. 
وهذه المسلمات تحتاج إلى ثقافة ديمقراطية كي تنشأ وتصبح حاضرة في ذهن أفراد الشعب فتمنع من التمرد على قيم الديمقراطية وشروطها. 
وواضح من هذا العرض ومن خلال هذه القيم أن الديمقراطية أسلوب عملي لتقرير الصيغ العملية في حال الاختلاف وليست لتقرير الحق والباطل، ومن فشل مشروعه في التصويت فله الحق أن يعيد طرحه مرة ومرات بعد أن يحشد له الأدلة والمناصرين الذين يؤيدون إعادة طرحه للمناقشة مرة أخرى. 
في العالم العربي فشل مبدأ المعارضة المخلصة أو مبدأ تداول السلطة، وسببه اختلاف الأيديولوجيات بين المشاركين في العملية الديمقراطية فهناك اليساري والقومي والإسلامي والليبرالي المستغرب. أما الصورة في الغرب فبخلاف ذلك حيث قبل جميع المشاركين العلمانية مرجعا لهم. 
ـ التطبيع على الديمقراطية democratization: 
يرى منظرو الديمقراطية الأوائل أن الديمقراطية لا يصلح تطبيقها في كل مجتمع، وقد كان الإغريق يرون – كما يذكر روبرت دال في كتابه "الديمقراطية ونقادها" أنها لا تصلح إلا في دولة المدينة polis، فهي تطبق في الدولة التي تتكون من مدينة واحدة حيث يستطيع المواطنون حضور اجتماعات المجالس العامة assemblies والمشاركة في اتخاذ القرارات ويتمكن بعضهم من معرفة بعض. ويرى الإغريق أيضا أنه يشترط في المواطنين قدر عال من التجانس فالاختلاف العرقي والديني والتباين الثقافي من معوقات الديمقراطية في نظرهم. 
وهذان الشرطان مما لا تحفل به الديمقراطية اليوم، بل إن منظريها يرونها الأسلوب الأمثل لمعالجة التباين والاختلافات بين المواطنين. ولكن هذا الاختلاف لابد أن يكون محدودا بسقف أو محكوما بمرجعية واحدة، وإلا أصبح مدمرا للعملية الديمقراطية. وهذه المرجعية هي أن يقبل الجميع بمبادئ الديمقراطية في الاختلاف وأن صندوق التصويت هو الحكم. 
وهذا التباين في الشروط بين ديمقراطية اليوم وديمقراطية الإغريق سببه التحول من الديمقراطية المباشرة إلى الديمقراطية التمثيلية. 
وفي الدراسات المعاصرة يرى عدد من دارسي الديمقراطية أن من العوامل التي تساعد في الاتجاه نحو الديمقراطية ما يلي: 
1. الثروة والتحديث: فالبلدان الثرية أسرع من غيرها في التحول إلى الديمقراطية ولكن ليس واضحا هل الثروة سبب للديمقراطية أو نتيجة لها أو ربما ليس بينهما علاقة إطلاقا. 
والثروة والتحديث ينتج عنهما عادة مستوى عال من التعليم والتحضر ونسبة كبيرة من المتعلمين وتطور وسائل الإعلام والاتصال، وبهذا يكون الناس أكثر وعيا بحقوقهم ومطالبة بها. 
وتظهر بعض الإحصاءات أن هناك علاقة إيجابية بين الديمقراطية ومستوى الدخل القومي فكلما كان المستوى مرتفعا كلما كان البلد أكثر تقبلا للديمقراطية وأكثر ممارسة لها. وهذه النتيجة ليست موضع تسليم من بعض الباحثين فالهند بلد ديمقراطي ولكنه ليس غنيا وبروناي بلد غني جدا ولكنه ليس ديمقراطيا. 
2. النظام الاقتصادي، ويعنون به الرأسمالية فالحرية الرأسمالية والحرية السياسية صنوان لا يفترقان، ويجادل في ذلك بعض الماركسيين إذ يرون أن الرأسمالية ليست في حقيقتها ديمقراطية وإنما تقوم على استغلال طبقة لأخرى، وينتقدون الديمقراطية الغربية بأنها حرية رأس المال والشركات العملاقة وليست حرية المواطن العادي. 
3. الطبقة الوسطى الواسعة، وهذا العامل له علاقة بالعامل الأول فيما يبدو، فوجود طبقة تتمتع بمستوى معيشي جيد يمنحها قدرا من التأثير ويحميها من الاستغلال ويسمح للديمقراطية بأن تنمو. 
4. المجتمع المدني ويقصد به المؤسسات غير الحكومية كالاتحادات، والأكاديميات والروابط العلمية، ومنظمات حقوق الإنسان، وكل هذه تشجع على الديمقراطية لأنها توحد الناس وتجعل لهم أهدافا مشتركة. 
5. التشابه السكاني، فالتعدد المذهبي في البلد والعرقي يدفع كل طائفة للاهتمام بقضاياها الخاصة بها بدلا من تقاسم السلطة مع الآخرين. 
ويفترض في الديمقراطية أن تعالج مشاكل الاختلاف العرقي والمذهبي والثقافي والاقتصادي فمن خلال التصويت وتعبير الأقلية عن رأيها وتمثيلها في المؤسسات التنفيذية والتشريعية تستطيع المحافظة على حقوقها والمطالبة بما فاتها منها، و يرى منظرو الديمقراطية، أن الدستور يجب أن يتضمن ما يحمي حقوق الأقليات من طغيان الأكثرية وقد تناول هذا الموضوع آلان تورين في كتاب خاص عنوانه: "ما هي الديمقراطية: حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية". ونشرته دار الساقي في لندن يحسن الرجوع إليه. (يتبع).

Aucun commentaire:

Publier un commentaire