dimanche 14 août 2011

المال و الاعمال : الطرف الثاني في حكومة الظل


الطرف الثاني في حكومة الظل هي مجموعة من رجال الاعمال واعوانهم من رجال الجيش والسياسة والامن.
دور  كمال لطيف
 فضح السيد فرحات الراجحي الرجل الأول في هذا الطرف. الرجل الذين كان وراء تغيير 7 نوفمبر ووراء تغيير 14 جانفي ولازال يحرك في الكواليس بيادقه للسيطرة على الأوضاع. كان أهم سلاح عنده هو السرية...

 والثاني هم ارتباطاته مع كثير من المتنفذين بحكم سيطرته على امبراطورية اقتصادية في تونس. ومعلوم أن رجال الأعمال والاثرياء يتاح لهم الاطلاع على كواليس السلطة اكثر بكثير من غيرهم بل أكثر أحيانا حتى من مسؤولي الأجهزة الأمنية. وهؤلاء يرتبطون ببعضهم بمصالح متشابكة ولهم علاقات داخلية وخارجية قوية.

 وللتدليل فقط نذكر أن المجلس الماسوني في تونس المكون من خمسة أعضاء رحل كبيرهم يوم 14 جانفي وبقي منهم أربعة كان على رأسهم كمال لطيف الذي لا أعرف بالتحديد مستواه في الترتيب الماسوني لكنه حتما له مستوى عالي ويمكن بقليل من التمحيص معرفة الثلاث أشخاص الآخرين في هذا المجلس فقليلون هم رجال الأعمال الذين يمكن أن يشغلوا هذا المجلس.

 ومعلوم أن الماسونية تستعمل رجال السياسة كدمى تتحكم من خلالها بالأوضاع العامة للبلاد عبر أساليب تأثير متعددة ومعلوم أيضا أن الصدام بين كمال لطيف وبن علي تزامن مع محاولات أفراد عائلة ليلى الطرابلسي إقتحام عالم المال والأعمال عبر نصيحة من أحد أفراد المجلس مختلف عن كمال طبعا. لأن بن علي أصبح يعلم وقتها أنه ان أراد أن يخلد في السلطة يجب أن يسيطر على المجلس وبالتالي على عالم المال والأعمال وكانت زوجته هي من يدفعه نحو ذلك دفعا وقد خلب لبه بريق المجد والسلطة. خصوصا وقد نجح خلال التسعينات في بناء قلعة أمنية ضخمة يمكنها حمايته وتأمين تلك الرغبة.

 فكان الصدام بين كمال لطيف وبن علي هو صدام سلطة فكمال لطيف الذي ضل يحكم من وراء الستار هو ورفاقه أصبح غير مرغوب فيه بالنسبة لليلى التي تحكم هي ايضا وتريد تعزيز سلطتها عبر أقاربها عبر تعزيز سلطتها على عالم المال والأعمال. وبحكم العلاقات القوية بين رجال الأعمال في تونس الكبار المنضوين جميعا تقريبا تحت لواء الماسونية وباقي الماسونيين في العالم فقد أمكن لهم الحفاظ على بقاء النظام في تونس رغم رعونة الطرابلسية وعنهجية ليلى السياسية.

 اندلعت الأحداث في تونس وتطور الوضع إلى حد إطلاق الرصاص على المتظاهرين بأمر مباشر من بن علي شخصيا الذي كان يتصور الأحداث لا تعدو أن تكون انتفاضة كانتفاضة الخبز وانتفاضة نهاية السبعينات يمكن إخمادها ببعض مئات من القتلى كما حدث سابقا تحت امرته. وقد أثبت بذلك أنه فعلا لازال يفكر فعقلية أمنية وليس سياسية إضافة إلى أنها عقلية قديمة جدا لا تواكب التطور الكبير في وسائل الاعلام وفي العقلية عامة للتونسيين ومستواهم الثقافي.
 ومع تطور الأحداث تحرك كمال لطيف من جهته خصوصا بعد أن رفض ضباط الجيش الانصياع لأوامر رشيد عمار باطلاق الرصاص على المواطنين العزل فقام باتصالاته الخارجية والداخلية ونجح بسرعة في عزل بن علي وعائلته لكثرة المتذمرين منهم من الساحة. وكمن يترقب الفرصة في القوت الذي كثف فيه رشيد عمار اتصالاته بالسفارة الأمريكية.

 وحين اتصل الفرنسيين ببن علي وطالبوه بالتخلي التدريجي عن السلطة عبر خطة يمكن اعدادها بسرعة رفض ذلك معتبرا نفسه قادرا على الصمود وقمع الانتفاضة.

 لم يكن يشعر وقتها بن علي بأن الماء يجري بين قدمية وأن المتربصين به من الداخل أقوى من انتفاضة الشعب. وأن الانتفاضة مجرد تعلة للانقلاب عليه. وفي الوقت الذي كان يقوم فيه بالمشاورات للتعامل مع الاضطرابات المتصاعدة خاصة مع رجال الامن يقوم كمال لطيف بمشاوراته أيضا لاسقاط بن علي معتقدا أن الشعب يمكن اسكاته بمجرد طرد بن علي ومحاكمة بعض كباش الفداء ورفع فزاعة الجوع والأزمة الاقتصادية.

 كان الموعد يوم الجمعة مفاجئا للجميع، فتصاعد حدة الاضطرابات لم يكن ينبئ بانفجارها يوم الجمعة تحديدا بل كان يعتقد انها ستتواصل بعدة ايام أخرى قبل أن تنفجر. لكن واضح أن ما حدث ليلة الجمعة من عنف شديد في كامل أنحاء الجمهورية وحرق لأغلب مراكز الشرطة وشلل نسبة كبيرة من منظومة الأمن بسبب ذلك. جعل رجال الأمن يترددون في قمع المظاهرات. وواضح أيضا أن هناك من سرب اليهم أمرا بعدم قمع المظاهرات المزمع القيام بها في شارع الحبيب بورقيبة بشكل وحشي خصوصا وان العشرات من الصحفيين الأجانب سيكونون موجودين هناك. ولم يكن أغلب المراقبين يتوقعون تلك الاستجابة الكبيرة للمواطنين لكن كان هناك من ينتظر نصف تلك الاحداث ليقنع بن علي بالتنحي.

 وفعلا هناك من قام باقناع بن علي بالتنحي مؤقتا والرحيل لتطبيق الخطة الأمنية المعروفة ثم يعود بعد ايام بثوب البطولة. وقف المجلس الماسوني التونسي بكل أعضائه مع هذا التمشي مما أجبر بن علي الذي شعر بأن وراء الأكمة ما وراءها على الرحيل خاصة وأن ضغط الوقت لم يسمح له بالروية ولم تتح له الفرصة للقيام باتصالات كافية.
 وقد اضطروا لنقله عبر هيليكوبتر ليرى بعينه المظاهرات العارمة في شارع الحبيب بورقيبة. مما أقنعه بضرورة الرحيل فعلا وكان شرط بن علي هو حماية أقاربه.

ومباشرة بعد رحيل بن علي تجمع رشيد عمار والهادي البكوش وكمال مرجان واثنان آخران في قصر قرطاج وتم استدعاء محمد الغنوشي وبعض الوزراء الآخرين ومستشاري الرئيس (بن ضياء والقلال) وقاموا بالمشاورات اللازمة لمرحلة ما بعد بن علي لضمان انتقال السلطة السلس لمن يقرره كمال لطيف الذي أخذ مكان بن علي في المجلس. وكان مخططا بنصيحة أجنبية أن يكون أحمد نجيب الشابي في ذلك المكان.

 ثم خرج الغنوشي في تصريحه التلفزيوني الشهير. وبدأت من وقتها المطبات في وجه مخططاتهم. فالشعب مصر على أن ما قاموا به هو ثورة ويجب ان تكتمل. وأبدت الجماهير وعيا غير متوقع. ورفض أهالي سيدي بوزيد والقصرين اعتبارها ثورة جياع ورفضوا الاعانات المادية. وكان كل اعتمادهم على المال لاخراس الجميع. لكن الواقع كان غير ما يشتهون. خصوصا مع اشتعال الثورة المصرية التي الهبت حماس التونسيين وزادت من ثقتهم بأنفسهم وبما فعلوه وكبرت الثورة في نفوس الناس. وتتالت الأحداث وكثرت الأخطاء وتتال الفشل وراء الفشل. لكن الدعم الأجنبي والخبرة السياسية ورفع شعار طرد التجمعيين جميعا الذي جعلهم يلتفون حول بعضهم ويساندون بكل قوتهم التي اكتسبوها من تغلغلهم في مؤسسات الدولة تمشي كمال لطيف وعصابته.

 وكان العدو الأول له سياسيا هو حركة النهضة. وما سماحه باعطاء تأشيرة لها إلا محاولة منه لتهدئة الشارع وكسب دعمها لأحمد نجيب الشابي. باعتبار قدرته على حضر الحركة حين يستتب له الحكم في اي وقت. لكن عدم هدوء الشارع جعله يندم على ذلك. خصوصا وأنها استطاعت أن تدفع بقوة نحو خياراتها. ولم يكن اعتصام القصبة بالحسبان ولا نتائجه متوقعه.

 وبالرغم من ذلك لازال يتشبث كمال لطيف بالنفوذ مع تراجع سقف أهدافه. وما جعل كمال لطيف ومن معه يلقون صعوبات جمة ايضا عدم قدرته على السيطرة الكاملة على وزارة الداخلية التي تدفع بدورها نحو الابقاء على النظام السابق الذي يحميها ويحمي نفودها المكتسب.

 تعيين الراجحي على رأس وزارة الداخلية
 كان تعيين الراجحي على رأس وزارة الداخلية خطأ كبيرا أيضا أدى في النهاية للقضاء على جل نفوذ كمال لطيف وأسقط كل مخططاته.
 فحين تم الايعاز للراجحي بطرد بعض المديرين الذين لا يستجيبون لمتطلبات الوضع عبر رشيد عمار الحليف الاكبر لكمال لطيف. لم يكونوا يتوقعون قيام الراجحي بطرد وتجميد كل المديرين وليس فقط من طلب منه أن يطردهم. مما أربك العملية وعطل المؤامرة. ومع كل فشل وخطأ يجد كمال لطيف من معه من رجال الاعمال ورشيد عمار وعصابتيهما مدفوعين نحو آخر الحلول لهما وأسوءها وهو الانقلاب العسكري. مع علمهما بصعوبة نجاحه وصعوبة استجابة الوضع له. وقيام الراجحي بطرد جميع المديرين وليس فقط من تم الايعاز له بهم أربك خطتهم فالانقلاب لا يمكن أن يحدث الا بالاشتراك بين الأجهزة الأمنية والجيش. ولن يتم ايضا إلا بنشر الفوضى والعنف وفبركة الانفلات الأمني وتصعيد درجة الخوف عند الناس لاقصى حد لها والاسباب المؤدية له. فلا يمكن اقناع الناس بقبول الانقلاب إلا بنشر الذعر والخوف والترهيب. 

وكان هناك حلفاء يمدون جسور التواصل معهم في الداخل والخارج وخصوصا الخارج الذي يرقب بحذر شديد الوضع في تونس ويسعى جاهدا إلى افشال الثورة بأي وسيلة كانت...

 فالنظام العسكري الجزائري مستعد لاراقة نهر من دماء في تونس لكي يحمي وجوده في بلده ومصالحه. ويعلم أن نجاح الثورة في تونس تعني بالضرورة ثورة مرتقبة في الجزائر وإن تأخرت.

 وعصابة القذافي أيضا التي تحيط به وبأبنائه وتقنعهم بضرورة البقاء وبأن معركتهم معركة حياة أو موت وأنهم لن ينجحوا ابدا في إعادة السيطرة على ليبيا إلا عبر إفشال الثورة التونسية ويسعون لذلك بكل ما أتيح لهم من مال وقوة.

 ومن وراء كل ذلك أيضا يوجد باقي سلاطين العرب الذين يسعون جاهدين بكل ما أوتوا من امكانيات ديبلوماسية واقتصادية وحتى اعلامية إلى تمييع وافشال الثورة التونسية والمصري لانهم يعلمون أن عروشهم اهتزت في عنف وأنها لن تستقر إلا بافشال الثورتين وقتها ستستقر أكثر وستفقد شعوبهم أي أمل في الاصلاح والتغيير. وسيضمن ذلك بقاءهم وأبناءهم من بعدهم لجيل آخر على الأقل تكرارا لنكسة 67 التي أفقدت العرب الأمل في استعادة فلسطين لجيل كامل أو جيلين قبل أن يتجدد الأمل بفضل الثورة التونسية وما بعدها.

 ومخطئ من يظن أن وراء الانقلابيين في تونس الأنظمة الغربية. صحيح أن هناك ديلوماسيين وسياسيين ورجال أعمال غربيين يساندون الانقلابيين لكن موقفهم ذلك مرده علاقاتهم المصلحية بقادة الانقلاب العرب ومساندتهم لهم وخاصة حرص النظام العسكري الجزائري والليبي على اقحامهم في العملية بأي شكل. والملايين تفتح الكثير من الأبواب وتشتري الكثير من الرجال.

 أما بالنسبة للأنظمة الغربية فالموقف مختلف تماما ولقد حسم الأمر لديهم لصالح حركة النهضة ولقد بدؤوا بالفعل في الاعداد للمرحلة النهضوية القادمة والكل يتسابق الآن لربط علاقات قوية معها لضمان مصالحها في تونس أو لخلق مصالح جديدة. 

ويجب أن نميز جيدا هنا بين الأنظمة بمفهومها الشامل والواسع وبين القيادات السياسية بمفهومها الفردي أو الحزبي أو التكتلات. فالأنظمة تتحرك ببطئ وتلزمها العقلية المؤسساتية والمواثيق والعهود والاتفاقيات والمصالح العامة وتؤثر فيها أكثر بكثير من العقلية الفردية المصلحية الضيقة. ومسارها اقوى بكثير من المسارات التي يصنعها الأفراد مهما تكاتفوا.

دور الباجي قايد السبسي
نعود الآن لتونس فحين فشل التمشي الذي لعبه محمد الغنوشي اضطروا إلى تغيير إستراتيجيتهم وتوخي تمشي آخر يحقق لهم أهدافهم أو أكبر قدر منها على الأقل. وكان رجل المرحلة هنا الباجي قايد السبسي بالرغم من خلافه الكبير والقديم مع الهادي البكوش أحد مهندسي العملية والمشرف على الإعلام. وقد كان السبسي من أصدقاء كمال لطيف وتربطه به علاقات مصلحية وسياسية ومؤهلا أكثر من غيره للتعامل مع المد الشعبي الغاضب.
سارت الأمور في هدوء وكانت اللعبة تسير على وجهين.
 إما استقرار وهدوء فتمرير لكل ما يريدون أو مظاهرات ورفض لما يريدون تمريره فقمع وعنف وانفلات أمني مفتعل ونهب وحرق كشكل من أشكال العقاب الجماعي. يعني اما أن تقبل ما أفرضه عليك أو أحطم انفك. وكلما تصاعد رفض ما يريدون تمريره وتصاعد الاحتجاجات كلما وجدوا أنفسهم مدفوعين للخيار الأسوأ دفعا.

 فمع تصاعد الاحتجاجات يتصاعد العنف ويتصاعد القمع ويتغلب الحل الأمني على الحل السياسي. وبالتالي تتغلب فكرة الانقلاب العسكري على فكرة الانقلاب السياسي على الثورة. فنحن أمام معادلة سياسية واضحة. في البداية لم تكن ثورة. لكنهم خدعوا الشعب وقالوا له أنها ثورة. معتقدين أنهم يمكنهم برفع شعار الثورة يمكنهم تخدير الشعب بنشوة الانتصار السهل وإخراسهم بعد ذلك ببعض المال.

 لم يفعل ونيس مثلهم حين تحدث عن انتفاضة فذلك اسمها الحقيقي في البداية.
 والشعب صدق الثورة وأصر عليها ومتشبث بجعلها ثورة تقطع مع الماضي قطعا نهائيا.

 كانوا يتوقعون أن يرقص الشعب مبتهجا بالثورة ثم يذهب كل لشأنه. لم يتوقعوا أن يصر الشعب على جعلها ثورة حقيقة. ولولا الفايسبوك لسارت الأمور كما يشتهون. لكن عدم استعابهم لتكنولوجيا العصر ولمستوى وعي الشباب جعل حساباتهم تخطئ.

 فبين إصرار الشباب على جعلها ثورة وبين إصرار السلطة على التعامل معها باعتبارها مجرد انتفاضة تكمن المعادلة ويكمن الصراع. وفي كل يوم يجني الشعب مكاسب على حساب الطرف الآخر. وما تصريحات الراجحي إلا هزيمة جديدة للحكومة وعصاباتها ومكسب جديد للشعب وللثورة. ففي حين كانت النخبة السياسية والمثقفة في السابق قليلة العدد ويمكن إخراسها بسهولة سواء بطريقة السبعينات او بطريقة الثمانينات او حتى بطريقة التسعينات. خصوصا وان السلطة تحتكر كل وسائل التواصل الشعبي وتسيطر عليها سيطرة كاملة تمكنها من محاصرة كل من ينفلت عنها برأيه أو موقفه. أضحت النخبة السياسية اليوم أوسع بكثير جدا وتشمل أطرافا لا يمكن السيطرة عليها أولا لعدم تنظمها وثانيا لقدرتها على النشاط خارج إطار القانون ومجاله. وثالثا لاتساع الطبقة المثقفة والجامعية خصوصا من الشباب المتحمس والخارج عن السيطرة التنظيمية بحكم سياسة بن علي الاقصائية. واهم شيء على الإطلاق هو تحرر وسائل الإعلام والتواصل الشعبي بشكل كبير جدا عن النظام السياسي بطريقة لا رجعة فيها ولا تدارك.

 وعززت ذلك وسائل الإعلام الدولية التي أصبحت تستطيع التقاط أطراف الأخبار من الانترنت للتنقل إلى عين المكان ورصد الأحداث بعد أن كانت لا تسمع شيئا عما يحدث في تونس من فضائع.
 وخروج الفضائيات عن السيطرة الحكومية القطرية وعولمة الإعلام الذي أصبح خاضعا للقوانين الدول الغربية (الديمقراطية). والمواثيق الدولية وليس للقوانين المحلية. ساعدت كل تلك العوامل على فقدان السيطرة على الأحداث في تونس مع التوازي مع التطورات في الشأن المصري الذي أصبح ردفا للثورة التونسية وداعما. وأصبح الشعبان وكأنهما في حلبة سباق يتنافسان في السعي للديمقراطية والحرية ويتسابقان لها.

ولم يستطع السبسي بليونته ومكره أن يخدع التونسيين ورغم أنه استطاع تمرير الكثير من القرارات والمسارات لكنه يعلم جيدا أن كل ما مرره فاقد للشرعية الشعبية وأن الأغلبية ترفضه وشتان بين أن يقتنع الشعب بمسار سياسي معين وبين أن يفرض عليه دون قبول. في السياسة يفقد ذلك التمشي أهميته وفاعليته حين يفتقد القبول الشعبي. لذا يجب توفير نسبة القبول الدنيا الضرورية والتي لم تتوفر بجماعة القبة. لهذا كان مضطرا للتراجع قليلا أحيانا كي لا يفقط الشعرة التي تربطه بالشرعية الجزئية التي يتمتع بها.

 وحين حسمت الأنظمة الغربية موقفها من النهضة ومن المستقبل السياسي في تونس وجد السبسي نفسه مضطرا لمجاراة المسار الدولي وفي نفس الوقت لا يملك أن يصطدم بالمسار الانقلابي في الداخل وهو يدير الوضع العام بشكل دقيق جدا. خصوصا وان السبسي ليس من النوع الذي يعمل بالتعليمات. فما كان مقتنعا به يفعله وما لم يقتنع به يسعى لعدم القيام به وهو في ذلك يمتلك حدا لا بأس به من الثقة في النفس ومعرفته الدقيقة بالساحة السياسية التونسية تجعل من الصعب الضغط عليه بشكل كبير.
 في نفس الوقت لا يملك المجال الحيوي والبشري الصالح لتحقيق ما يريد فوجد نفسه مضطرا لتقديم بعض التنازلات وأن يهادن البعض ويوارب البعض كي يستطيع التأثير بأكبر شكل ممكن في مجريات الأحداث. وهنا تتداخل قراراته مع رغبات أعوانه وحلفاءه ورغبات ما يمكن تسميته (خصومه السياسيين). وبين الانقلابيين والمصرين على المسار السياسي المعلن داخل حلفائه يجد نفسه في وضع حرج ودقيق. في مقابل الطرف الآخر الضائع بين المصالح الشخصية الضيقة ومبادئ وقيم الحرية والديمقراطية.

وبين الطرف الأول الانقلابي الذي يقف خلفه النظام العسكري الجزائري والليبي وبعض سلاطين العرب والطرف الثاني الذي يقف خلفه المنتظم الدولي يجد التونسيين أنفسهم بين المطرقة والسندان.

الأزمات الاقتصادية العالمية المتتالية و المد الاسلامي
 لكن مسار الانتقال السياسي في العالم اليوم يكشف بشكل واضح جدا أن العالم كله مقبل على تغييرات جذرية في نظامه العام وبقد بدأت بوادر هذا التغيير منذ نهاية الثمانيات فبالرغم من أنه يحمل اسباب خوره في داخليه ويظهر هذا الخور في الأزمات الاقتصادية العالمية المتتالية والتي تتكرر كل عشرية تقريبا في منتظم قائم على القيم المادية البحتة.

 والانحلال الاجتماعي والأخلاقي المتصاعد بشكل كبير جدا لكن عوامل انهيار هذا النظام ليست مرتبطة به هو فقط بل مرتبطة ايضا بالبديل السياسي الذي سيقوم مكان هذا النظام. فمادام لا يوجد بديل قادر على ذلك فسيبقى هذا النظام. ومع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات بدا واضحا أن المد الاسلامي بدأ ياخذ مكانه في العالم.

 فمن جهة بدأت ايران تتخلص من اختناقها بسبب الحصار الاقتصادي والسياسي الدولي والطفرة التي شهدتها ماليزيا بعد وصول الحزب الاسلامي بقيادة مهاتير محمد وأنور ابراهيم ونجاحهما في تحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية وثقافية متميزة. 

وتصاعد بالتوازي مع ذلك الفكر الاسلامي الثوري الذي أصر على أن يرث مجاله من الاتحاد السوفياتي المنهار في الشيشان وداغستان وبقايا يوغسلافيا والصومال الخ.. 

وظهور لأول مرة منهجا عقايديا وفقهيا كاملا من داخل المنظومة الاسلامية يتبنى فكرا ثوريا عنيفا فيما يسمى بالفكر الجهادي. بعد أن كان أنصار هذا الفكر هم الاخوان الذين ورثوه عن مشايخ الطرق الصوفية التي قادت المقاومة في بعض الدول العربية ضد الاستعمار.

 ومع تصاعد الرفض العنيف للمنتظم الدولي وبدء الصدام المباشر مع الجهاديين في عدة جبهات بدأ حساب التنازلي للحضارة الغربية المادية لصالح الحضارة الاسلامية الناهضة.
 وبعد عدة فصول من هذا الصراع الدامي طيلة عشرين سنة انتهى الفصل الأخير وانتهى دور الجهاديين وبدأ دور الشعوب التي بلغت قدرا من الوعي والايجابية تسمح لها بأخذ المبادرة وبناء الصرح البديل الذي سيسقط النظام القائم ويقيم بدلا عنه نظاما عالميا جديدا. وهذا يحيلنا لصورة النحات الذي يبدا أولا بشحذ الخشب ويزيل عنه القشرة والشوائب وهذا ما قامت به حركات المقاومة المسلحة وهو أمر لا يتطلب تنظيرا ولا مستوا فكريا عاليا.
 ثم أخذت عنها المبادرة تنظيمات الاسلام السياسي الذي يتطلب مستوى تنظيريا فكريا ارقى مثل النحات الذي يحتاج بعد ذلك لعدة آلات لكي يزيل القطع الخشبية الكبيرةل ويبقى فقط الهيكل العام للمنحوتة التي يريد نحتها.
 ثم ياتي بعد ذلك الجهاديون الذين ينطلقون من مرجعية فقهية دينية عاطفية بالاساس وثورية وهي تشبه الملكة الفنية للنحات الذي يقوم بشحذ مشاعره وعاطفته لكي ينحت الصورة التي تسكن ذهنه بتفاصيلها.
 و في النهاية يقوم باللمسات الفنية الأخيرة وتهذيب التفاصيل الصغيرة والتي تعطي جمالية ابداعية على عمله وهي ما تقوم به الشعوب في ثوراتها لكي يصبح كل الأفراد مشاركين في التغيير وليس فقط نخبة منفصلة عن الشعب.

وفي الختام يجب التأكيد على أن المسار الذي ينتهجه العالم لن يؤدي إلى إفشال الثورات  الاسلامية وإقامة نظام عالمي جديد .... 
 والله متم نوره ولو كره الكافرون.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire